لماذا نثق بشخص ما دون آخر ولماذا قد لانثق بقريب لنا مثلا ونثق بشخص بعيد؟
في احد المشاهد الخالدة لبائع المخدرات "عمر" في مسلسل ذا واير الشهير يواجه المحقق الذي يتهم عمر بقتل شخص بريء ويرد المجرم دفاعا عن نفسه بأنه فعلا قد يرتكب أعمال قذره إلا أنه لن يقتل شخصا بريئا .. ويضيف العبارة "A man got to have a code"
"على الرجل أن يكون له مبدأ" ورغم أن الحوار درامي إلا انه مدخل لفهم فكرة أعمق.
هناك جزء مهم من علاقاتنا الودية مع الآخرين يقوم على الارضية المشتركة ابتداء، ثم تأتي كثيرا من الطباع والاشياء الجانبية. لكن الجزء الأكثر أهمية هو انتقائيتنا للناس بناء على خلطة نجمع من خلالها محددات معينة ومبادئ بالاضافة لسلوكيات نهتم لأمرها أو تتناغم مع ما نعتقده. في علم الإجتماع يوجد مسمى “نماذج التوقعات” و بعضهم يسمي الأمر كود وانا احب تسميتها سلطة المعايير. لماذا "سلطة" لأنها ببساطة عملية شخصية جدا ومتنوعة ومتباينة من شخص لاخر، نضع فيها بوعي وغير وعي مانحب ان نعطيه مسميات كبيرة بينما في الحقيقة ان ما نضعه في هذا الخليط المختار هو مزيج من ثقافتنا وتجربتنا الشخصية بالاضافة إلى ما نراه مُهم.
علاقتنا مع الاخرين بشكل عام تنطوي على فهمنا لسلطة معاييرهم الخاصة والتي تحوي قيمهم غير المكتوبة والتي كلما توافقت اكثر من قيمنا "سَلَطتنا" حول أمور معينة كلما كان الاخر محل ثقة اكثر. المفارقة اللطيفة هنا انك ستجد انه للمجتمعات -كما الافراد- سلطة خاصة بها والتي تتأثر بالثقافة والتدين بل وحتى الجغرافيا والحالة الاقتصادية. ما قد يبدو خطأ في مجتمع ما قد يبدو عاديا في مجتمع اخر.
وعلى سبيل المثال في المجتمعات العربية خاصة تبدو امور مثل الدين والالتزام الظاهري مهمه في تقييمنا للاشخاص وبحدية شديدة. فإذا كان الشخص محافظ على الصلاة جماعة او يذهب الى الحج أو العمرة بشكل موسمي فهو شخص يستحق الثقة حتى لو كان شخص مؤذي أو شرير او حتى متورط في امور فساد وغيره وهنا تحضرني مقولة مالك الملهى الليلى في فلم كبارية "العمرة بتاع كل سنة ياصالح بتغسلني من جوة .. بترجعني عيل".
مشهد الفلم وإن كان في نطاق الكوميديا يُظهر كيف ان سلطة القيم أو الأخلاق للمجتمعات وبنفس الطريقة للاشخاص تختلف وتتكيف بشكل متباين. واذا بحثت في مكونات السلطة الخاصة بكل شخص ستجد من التناقضات ما يدعوك للتعجب.
اعود للنقطة التي بدأت منها حول الثقة وكيف أن فهمنا لمعايير الأشخاص الغير مكتوبة وحدودهم التي لا يمكن أن يتجاوزوها يجعل التعامل معهم ممكنا ومجال الثقة كبير.
لايمكنك ان تأتمن شخصا طيبا وخلوقا على سر اذا عرفت ان لسانه يزل من وقت لاخر لاشعوريا. ولايعقل أن تحمل مسؤولية لشخص تعرف انه جبان أو كثير التردد، وقس على ذلك.
وبالحديث عن السلطة وكبقية البشر لدى اخوكم سلطته الخاصة في تقييم البشر وسأذكر ٣ مكونات منها:
- الالتزام — صغيرا كان أو كبيرا — بما قطعته على نفسك تجاه الآخرين، وخصوصًا في الأمور المادية. هذا في رأيي مقياس مرئي للصدق والانضباط.
- العنصرية. ولو بقدر ضئيل… لأنها تكشف جانبًا عميقًا من الدناءة.
- نظرة الإنسان للمخالف له. كيف يراه؟ هل يتفهمه أم يزدريه؟
هذا بالنسبة لي .. ماذا عنك؟