تستوقفني دائمًا فكرة أن يأتيك الخير من حيث لا تحتسب: إمّا من شخص لا تعرفه أصلًا، أو من آخر لا تتوقع منه الكثير. الأكثر إدهاشًا أن يأتي من آخر شخص كنت تظن أن بينك وبينه حاجزًا كبيرًا، أو حتى ممن ظننت أنه لا يكنّ لك الود.
رحلة العمر مليئة بالمفارقات: نطرق أبوابًا نظن أنها ستفتح، فنجدها موصدة بإحكام في وجوهنا مهما حاولنا. بينما تبقى أبواب أخرى مشرعة في وجوهنا على الدوام. نرجو خيرًا من أحدهم فيخذلنا، ثم نفاجأ بأن الخير يأتينا من آخر لم نتوقعه.
أزعم أن أجمل الفرص الكبرى في حياة المرء لم تأت من المخطط له أو المنتظر، بل من غير المتوقع، من تلك الزوايا العمياء التي لم نكن نراها. وما أعذب تلك الرسالة التي ترسلها لك الأقدار - خصوصًا في لحظات اليأس وانعدام الأمل - بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
لا أريد أن يبدو الأمر نفعيًّا أو ماديًا، لكن لدي إعتقاد أو ربما "إيمان" بداخلي أن هذا العطاء ليس عشوائيًّا أو محض مصادفة مجردة. بل في الغالب هو ثمرة بذور زرعتها يومًا على الطريق: كلمة حق أو خير قلتها، موقف عابر لم تبخل فيه، أو لمسة دافئة لأحدهم تركت أثرا نسيته خلفك. هذه البذور تزهر وتعود بعد حين. قد تتجسد في شخص غريب يعينك، أو فرصة تفتح فجأة أمامك، أو حتى نجاة من بلاء لم تكن تعلم به. بشكل ما، تجد هذه البذور طريقها إليك، كأنها تعرف صاحبها جيدًا.