في جزء من حوار طويل مع صديق حول إشكالية معينة في حياته نصحته على إثرها -من باب اللقافة- أن يبحث عن ارتباط عاطفي لعل ذلك يخفف من ثقل الحياة كونه غير مرتبط.
صارحني بأنه لا يشعر أن لديه شيئا جذابا لأي شريكة محتملة ولا يملك الكثير ليقدمه باعتبار ظروفه. "أنا حتى لا أجيد أي شيء" قال صديقي.
لم يكن أصل موضوع الحديث مع صديقي عن الارتباط تحديدًا، بل عن شعور أعمق بالعجز أو غياب القيمة. ورغم أني لا أوافقه لأني اعرف انه يملك الكثير من وجهة نظري، إلا أن ما قاله مسّ وتر حساس: الإحساس بأنك بلا موهبة، بلا شيء يمكنك الاتكاء عليه بثقة.
وهنا وجدتني أعود إلى فكرة لطالما آمنت بها: أهمية أن تجيد شيئًا ما في هذه الحياة، أي شيء حرفيًا. (وهنا لا أنتقص من أي شخص لا يشغل باله بهذه النقطة، فهذا من حقه).
في رأيي أن كل إنسان يملك موهبة خفية، أو سحرًا خاصًّا حتى وإن لم ينتبه لذلك. وفي عالم مليء بالضغوطات والتوتر اللامنتهي، تصبح البراعة شكلًا من أشكال الطمأنينة. ملاذٌ صغير تعرف أن لك فيه صوت أو حضور قوي لا يمكن إنكاره في مجال ما أو حتى هواية بعينها.
لكن، كيف يكتشف الإنسان ما يجيده فعلًا؟
أرى أن الرحلة تبدأ بالانغماس في التجربة دون حكم مسبق. الفضول يمكن أن يكون المفتاح الأول: أي شيء يثير فضولك ولو قليلًا، يمكن أن يُجرّب.
استمع لمن حولك، قد يرون شيئًا فيك لا تراه أنت.
لا تتوقف عند التجربة الأولى؛ أعد المحاولة قبل أن تحكم. وتذكّر أن الموهبة ليست دائمًا شيئًا خارقًا، بل قد تكون أي شيء يمكن أن تجيده. أعد النظر في اهتمامات الطفولة، فكثير من الميول القديمة تحمل جذور الموهبة. وتحمّل البدايات الباهتة، لأن الموهبة لا تبدأ متألقة، بل تُصقل بالتكرار والرغبة الصادقة في التحسّن.
أن تتقن شيئًا ما يعني أنك تملك مساحة من السيطرة، من الإبداع، بل حتى من النشوة ومن المعنى لذاتك. حتى لو كان هذا الشيء غير “مبهر” في عرف العالم، يكفي أن تجد فيه نفسك.
أرى أن البراعة تمنح الإنسان ركنا آمنا يمكن أن يستند إليه وسط عواصف الحياة.
البراعة -كما أفهمها- ليست استعراضًا بل عمل وإتقان مصحوب بحرص وتجويد دقيق يملأ مساحة من روحك لا يمكن أن يملأها شيء آخر.
على الأقل أن يكون لديك شيء تقول فيه لنفسك:
“مهما حدث… مازلت أُجيد هذا.”