استمعتُ مؤخرًا إلى بودكاست يتحدث عن الناس الذين يعيشون أطول. البودكاست كان عبارة عن مراقبة لنمط حياة مجتمعات معينة وكيف اثر هذا النمط العام على طول فترة حيواتهم. احدى النقاط المهمة الذي ذكرت هي وجود الشخص داخل دائرة اجتماعية سهلة التواصل مع بعضها. أي تكون الحياة الاجتماعية ضمن طقوسك اليومية. هل يمكن ان تفتح باب بيتك وتبدأ حديث مطول مع الشخص الذي امامك في الشارع وتضحك معه؟ يبدو هذا غريب في نمط مجتمعات المدن الحديثة ولكنه الصورة الواقعية عن مجتمعات القرى أو الحواري القديمة مثلا.
في أكثر من دراسة، وأكثر من مقال وغيرها ستجد نفس الكلام عن العلاقات الاجتماعية والأصدقاء تحديدا كدرعٍ ضد ثقل الزمن ووحشة الأيام.
ولعلّ أجمل ما قرأته في هذا السياق عبارة للكاتب طاهر الزهراني حين قال إنه "يتعافى بالأصدقاء"، لقد وصف حالي ايضا. اتداوى بهم، أهرب إليهم، أستعيد نفسي معهم، وأجد في حضورهم ما يشبه الشفاء البطيء من أوجاع الحياة.
أتذكّر فترة مررتُ فيها بظروف ثقيلة على نفسي تركت ظلها حتى على وجهي هما وغما وهذا ادى الى ابتعادي عن الناس لبعض الوقت. التقيت بعض اصدقائي بعد غياب طويل وقضينا عند أحدهم يومًا وليلة. تحدثنا فيها عن كل شيء، عمّا يهمّ وما لا يهمّ، عن السياسة والدين، عن الموسيقى، عن الحُب، عن العمل والمعنى واشياء يعلمها الله إلى ساعة متأخرة من الليل - بمعايير صديقي على الاقل الذي ينام مبكرا مثل الدجاج حد وصفه.
وحين نام الجميع، تمددت على الأريكة في غرفة المعيشة، ورغم أني لا أنام الليلة الاولى جيدا عندما يتغير المكان، إلا أنني نمت تلك الليلة مثل طفلٍ استعاد أمانا افتقده منذ زمن. تأثير ليلة كتلك يستمر لأيام وهذا ما صرت أحرص على حدوثه بانتظام.
الصداقة جميلة، ساحرة حد الخدر في بعض الأحيان - وإن كانت هذه الجزيئة يجب التعامل معها بحذر حتى لا تسحبك في اتجاهات خاطئة. ضرورة فسيولوجية وعاطفية، بل أكاد أجزم أنها أكثر ملذّات الحياة ملئا للروح. لذّة تبقى في القلب طويلًا، على عكس الملذّات العابرة مثل الطعام أو الجنس والسفر. ولن أجد نفسي مبالغا لو قلت أني ازهد في زيارة أي مدينة لا يوجد لدي فيها صديق، أن تقطع مئات أو الاف الاميال سفرا لرؤية احجار وطرقات وأشجار دون وجود روح تألفها وتألفك.
إشكالية الحصول على أصدقاء جدد مع تقدم العمر
إحدى تحديات الصداقة أنها لا تحدث بشكل مرتب تماما. نحن لا نختار أصدقاءنا تمامًا ولا نصنعهم، بل هي الصدف والتقاطعات التي تجمعنا بهم لفترات قد تطول كما في حالة اصدقاء الدراسة او مناسبات اقصر مثل المناسبات الاجتماعية أو تقاطعات العمل وغيرها. كلما نفعله انه بوجودها في هذه البيئات نعرض أنفسنا للتواصل ويحدث ان ننجذب او ننفر في من أشخاص بعينهم.
الأصدقاء حظ قد توفق فيه بسرعة وقد تجد نفسك في بيئات وإن بدت مثالية إلا أنك تجد نفسك وحيدا فيها بلا اصدقاء مناسبين، ولا أسوأ من شعور ان تكون وحيدا بينما أنت وسط الزحام. الشيء المشترك في قصص الصداقة انها امر يحتاج سنوات عديدة لينضج وربما هذا من أكثر ما يصعب الحياة لمن ينتقلون إلى مدن أو دول أخرى لبدء حياة جديدة خصوصا في مرحلة متقدمة من العمر حيث ان كثير من العلاقات الاجتماعية تكون قد تشكلت بالفعل، الأمر يشبه أن تحضر حفلة لحظة خروج الناس.
شر البلاد مكان لا صديق يمكن ان تدق بابه ليلا
(مع الاعتذار للمتنبي)
لست متأكد إن كانت الصداقة تطيل العمر فعلًا كما تقول الدراسات، لكني متأكد أنها تحفظ العقل في عالم مجنون وتهدئ النفس تحت وطأة ضربات الحياة وتجعل المرارات محتملة وأخفّ على القلب. وربما لا نحتاج في النهاية إلى سنوات أطول لنعيش بقدر ما نحتاج إلى قلوبٍ تشبه بيتًا نعود إليه دون موعد.